ليلة الإسراء والمعراج: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماء
الخلاصة
ما الذي حدث في ليلة الإسراء؟ ولماذا كان المسجد الأقصى محطّتها؟ سرد موثّق بالآيات والأحاديث الصحيحة لرحلة الإسراء والمعراج، وصلاة النبي ﷺ بالأنبياء، وفرض الصلوات الخمس.
الجواب المباشر
الإسراء رحلةٌ أرضية من المسجد الحرام بمكّة إلى المسجد الأقصى بالقدس، والمعراج صعودٌ من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا. وقعتا في ليلة واحدة، بالجسد والروح يقظةً على قول جمهور أهل السنّة، وفيهما فُرضت الصلوات الخمس.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].
أوّلًا: متى كانت الرحلة؟
اختلف أهل السير في تاريخها اختلافًا واسعًا، وأشهر الأقوال أنّها كانت قبل الهجرة بنحو سنة إلى ثلاث سنوات، بعد عام الحزن الذي تُوفّي فيه أبو طالب والسيدة خديجة رضي الله عنها، وبعد رحلة الطائف.
وأمّا تحديدها بليلة السابع والعشرين من رجب فهو قول مشهور عند العامّة، لكنّه لا يقوم على إسناد صحيح عند المحقّقين، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة تخصيص تلك الليلة بعبادة أو احتفال. وقد نبّه على ذلك جماعة من أهل العلم، ومنهم ابن تيمية وابن رجب.
ثانيًا: وقائع الرحلة كما في الصحيح
البراق
في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أُتيتُ بالبُراق — وهو دابّة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه — فركبته حتى أتيتُ بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء».
ومن هنا سُمّي الحائط الغربي للمسجد حائط البراق.
الصلاة بالأنبياء
ثم دخل النبي ﷺ المسجد فصلّى فيه ركعتين، وفي رواية: صلّى بالأنبياء إمامًا. وهذه الإمامة إعلانٌ بأنّ الرسالة الخاتمة وارثة لرسالات الأنبياء جميعًا، وأنّ الأقصى ليس موضعًا غريبًا عن الإسلام بل من إرث النبوّة.
اختيار اللبن
عُرض عليه إناءان: أحدهما خمر والآخر لبن، فاختار اللبن، فقال له جبريل: «اخترتَ الفطرة».
المعراج
ثم عُرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات، فلقي في كلّ سماء نبيًّا: آدم، ثم عيسى ويحيى، ثم يوسف، ثم إدريس، ثم هارون، ثم موسى، ثم إبراهيم عليهم السلام عند البيت المعمور. ثم انتهى إلى سدرة المنتهى.
فرض الصلاة
فُرضت الصلوات خمسين، ثم راجع النبي ﷺ ربّه بمشورة موسى عليه السلام حتى صارت خمسًا في العمل وخمسين في الأجر؛ ففي الحديث: «هُنَّ خمسٌ وهنّ خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ».
وهكذا صار المسجد الأقصى مهبط فرض الصلاة ومنطلقها.
ثالثًا: موقف قريش
لمّا أصبح النبي ﷺ وأخبر قريشًا كذّبوه واستهزؤوا، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلّاه الله له فوصفه وصفًا دقيقًا لم يخطئ فيه، وأخبرهم عن قافلة لهم في الطريق فجاءت كما وصف.
وذهب قومٌ إلى أبي بكر رضي الله عنه يخبرونه، فقال: «إن كان قال ذلك فقد صدق»، فلُقّب بـالصدّيق.
وهذا الموقف دليلٌ على أنّ المراد بالمسجد الأقصى في الآية هو بيت المقدس المعروف؛ إذ لا معنى لأن يُطلب منه وصف موضع سماوي لا تعرفه قريش.
رابعًا: لماذا كان الأقصى محطّة الرحلة؟
- ربط المقدّسات: جمعت الرحلة بين الحرمين الأوّلين في ليلة واحدة، فربطت مكّة بالقدس ربطًا عقديًا دائمًا.
- توريث الرسالة: بالصلاة بالأنبياء في مسجدهم.
- تثبيت الفؤاد: بعد سنوات الشدّة والتكذيب.
- إثبات البركة: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ — فالبركة ثابتة للمسجد ومحيطه بنصّ القرآن.
خامسًا: تنبيهات منهجية
- الإسراء والمعراج معجزة خارقة للعادة، ولذلك افتُتحت الآية بالتسبيح ﴿سُبْحَانَ﴾.
- الجمهور على أنّها كانت بالجسد والروح يقظةً، لا مجرّد رؤيا منام.
- كثير من التفاصيل المتداولة في القصص الشعبية لا تصحّ إسنادًا، والأصل الاقتصار على ما في الصحيحين والسنن المعتبرة.
- لم يثبت تخصيص ليلة الإسراء بصلاة أو صيام مخصوص.
الخلاصة
ليلة الإسراء والمعراج جعلت المسجد الأقصى محطّةً بين الأرض والسماء: منها صلّى النبي ﷺ بالأنبياء، ومنها عُرج به، وفيها فُرضت الصلوات الخمس. ومن هنا كانت صلة المسلم بالأقصى صلةً يومية في كلّ صلاة يؤدّيها.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم، سورة الإسراء: ١؛ وسورة النجم: ١–١٨
- صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ — حديث أنس بن مالك
- صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج
- صحيح البخاري، كتاب الصلاة — فرض الصلوات ليلة الإسراء
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم — تفسير أوّل سورة الإسراء
- ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف — الكلام على ليلة السابع والعشرين من رجب
- القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى