حريق المسجد الأقصى سنة ١٩٦٩: التوثيق الكامل وما احترق وما أُعيد
الخلاصة
في ٢١ آب/أغسطس ١٩٦٩ التهمت النيران الجناح الشرقي من الجامع القبلي ومنبر صلاح الدين. مقال توثيقي بالتواريخ والخسائر ومرتكب الحريق والقرارات الدولية ومشروع إعادة صناعة المنبر سنة ٢٠٠٧.
الجواب المباشر
اندلع الحريق في المسجد الأقصى المبارك صباح الخميس ٢١ آب/أغسطس ١٩٦٩م، وأتى على جزء كبير من الجناح الشرقي للجامع القبلي، وأحرق منبر نور الدين زنكي المعروف بمنبر صلاح الدين، ومحراب زكريا، وأجزاءً من السقف الخشبي والقبة.
أوّلًا: كيف وقع الحريق
بدأت النار في الجهة الجنوبية الشرقية من الجامع القبلي، وانتشرت سريعًا في الأخشاب القديمة والسجّاد. وهُرع أهالي القدس إلى إطفائها بالأيدي والدلاء قبل وصول فرق الإطفاء، واستمرّ العمل ساعات حتى السيطرة على النيران.
ثانيًا: ما الذي احترق
منبر نور الدين زنكي
أعظم الخسائر على الإطلاق. أمر بصناعته السلطان نور الدين محمود زنكي في حلب سنة ٥٦٤هـ استعدادًا لتحرير بيت المقدس، ولم يعش ليراه في موضعه. ولمّا حرّر صلاح الدين الأيوبي القدس سنة ٥٨٣هـ / ١١٨٧م نقله إلى المسجد الأقصى ونصبه فيه.
وكان المنبر تحفة في فنّ الخشب الإسلامي: عشرات الآلاف من القطع الخشبية المجمّعة بنظام التعشيق دون مسامير ولا غراء، مزيّنة بالعاج والأبنوس والزخارف الهندسية والنجمية. احترق المنبر بالكامل تقريبًا ولم يبقَ منه سوى شظايا محفوظة.
خسائر أخرى
- محراب زكريا في الجهة الشرقية.
- ثلاثة أروقة من الجهة الشرقية للجامع القبلي.
- سقف خشبي مزخرف وأعمدة رخامية ونوافذ جصّية ملوّنة.
- قبة الجامع القبلي الداخلية وزخارفها الفسيفسائية والجصّية.
ثالثًا: مرتكب الحريق
أُلقي القبض على دينيس مايكل روهان (Denis Michael Rohan)، وهو سائح أسترالي متطرّف دينيًا، واعترف بإشعال النار متأثّرًا بمعتقدات نهاية الزمان لدى جماعته. وقضت المحكمة بأنّه غير مسؤول جنائيًا لاختلال عقلي، فأُودع مصحّة ثم رُحّل إلى أستراليا.
والدقّة التاريخية تقتضي نسبة الفعل إلى مرتكبه المعروف بالاسم، مع تسجيل ما رافق الواقعة من تقصير في الحماية والإسعاف، دون تعميم المسؤولية على جماعة دينية بأكملها.
رابعًا: الأثر السياسي والإسلامي
قرار مجلس الأمن ٢٧١
أصدر مجلس الأمن الدولي في ١٥ أيلول/سبتمبر ١٩٦٩ القرار رقم ٢٧١، أدان فيه تدنيس المسجد الأقصى ودعا إلى إلغاء الإجراءات المغيّرة لوضع مدينة القدس.
مؤتمر القمة الإسلامي الأوّل
انعقد في الرباط بالمغرب في أيلول/سبتمبر ١٩٦٩ أوّل قمّة إسلامية جامعة، وكان الحريق الدافع المباشر لانعقادها. وأثمرت هذه القمّة عن تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي — التي صارت لاحقًا منظمة التعاون الإسلامي، وهي اليوم ثاني أكبر منظّمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة.
فمن رماد الحريق وُلد أوّل إطار سياسي جامع للعالم الإسلامي في العصر الحديث.
خامسًا: إعادة صناعة المنبر
بقي الجامع القبلي بلا منبره التاريخي نحو ثمانٍ وثلاثين سنة. ثم أُطلق مشروع لإعادة صناعته بإشراف الصندوق الهاشمي لإعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة، استغرق سنوات من الدراسة والتصوير والقياس اعتمادًا على الصور القديمة والرسوم الهندسية.
صُنع المنبر الجديد بالتقنية نفسها — التعشيق دون مسامير — واكتمل ونُصب في المسجد الأقصى سنة ٢٠٠٧م.
سادسًا: ماذا نتعلّم من الحادثة
- التوثيق قبل الفقدان: لولا الصور والرسوم القديمة لاستحال إعادة صناعة المنبر.
- حماية التراث الخشبي: كانت مواد البناء القديمة شديدة القابلية للاشتعال، ودفع الحريق إلى تحديث أنظمة الإطفاء في المسجد.
- الرواية بالمصدر: ذكر التاريخ الدقيق والاسم والقرار الدولي أقوى من العبارات العامّة.
الخلاصة
٢١ آب/أغسطس ١٩٦٩ تاريخٌ راسخ في ذاكرة المسلمين: احترق فيه منبر صلاح الدين وجزء من الجامع القبلي، وأثمر الحدث قرارًا دوليًا وقمّة إسلامية ومنظّمة قائمة إلى اليوم، ثم عاد المنبر إلى موضعه سنة ٢٠٠٧.
المصادر والمراجع
- قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٧١ الصادر في ١٥ أيلول/سبتمبر ١٩٦٩
- البيان الختامي لمؤتمر القمة الإسلامي الأوّل، الرباط، أيلول/سبتمبر ١٩٦٩
- منظمة التعاون الإسلامي — نشأة المنظمة وخلفية تأسيسها
- دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس — توثيق حريق المسجد الأقصى ١٩٦٩ وأضراره
- الصندوق الهاشمي لإعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة — مشروع إعادة صناعة منبر صلاح الدين ٢٠٠٧
- مجير الدين العُليمي، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل — وصف الجامع القبلي ومنبره