تاريخ المسجد الأقصى: الرواية الإسلامية الكاملة من آدم إلى اليوم
الخلاصة
من أول من بنى المسجد الأقصى إلى رحلة الإسراء والمعراج وعمر بن الخطاب وصلاح الدين: القصة الكاملة لمكانة الأقصى في الإسلام وتاريخه عبر العصور، بصوت مسلم يعرض عقيدته وتاريخه بثقة واعتدال.
مكانة المسجد الأقصى في الإسلام
المسجد الأقصى ليس مجرد مبنى تاريخي؛ هو جزء من عقيدة المسلمين. ذكره الله تعالى في كتابه مرتبطًا بأعظم رحلة في تاريخ البشرية: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ» (الإسراء: 1). فهو المسجد الذي بارك الله حوله، وإليه أُسري بالنبي ﷺ ليلًا، ومنه عُرج به إلى السماء.
وهو أولى القبلتين وثاني مسجد وُضع للناس في الأرض للعبادة، وثالث المساجد التي تُشدّ إليها الرحال، كما ثبت في حديث النبي ﷺ: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، والمسجد الأقصى». والصلاة فيه مضاعفة الأجر.
من بناه أولًا؟
ورد في الحديث الصحيح أن أبا ذر رضي الله عنه سأل النبي ﷺ: أي مسجد وُضع في الأرض أولًا؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة». (رواه البخاري ومسلم).
وبهذا يكون بناء المسجد الأقصى من أقدم أعمال العبادة في تاريخ البشرية. وذكر أهل العلم أن من جدّد بناءه بعد ذلك إبراهيم عليه السلام، ثم جدّده سليمان عليه السلام بناءً عظيمًا، فكان مسجدًا تتوالى عليه الأنبياء يصلّون فيه ويدعون فيه.
الإسراء والمعراج: العهد الأبدي
في ليلة الإسراء والمعراج، صلّى النبي ﷺ بالأنبياء إمامًا في المسجد الأقصى. هذا الحدث وحده يكفي لبيان مكانة المسجد: فقد اختاره الله محطًّا لرحلة نبيه الأخير، وملتقى للأنبياء جميعًا. ومن تلك الليلة صار الأقصى في قلب كل مسلم، أينما كان في الأرض.
وكانت القبلة الأولى للمسلمين نحو بيت المقدس نحو ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا بعد الهجرة، قبل أن يتوجهوا إلى الكعبة، فجمع الأقصى بذلك شرف أنه أول قبلة صلّى إليها المسلمون.
الفتح العمري: دخول الإسلام إلى القدس
في سنة خمس عشرة للهجرة (636م)، فتح الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس سلمًا. دخلها وقد جاءه مفاتيحها من بطريركها صفرونيوس الذي اشترط أن يسلّم المدينة لعمر نفسه. فكتب عمر لأهلها «العُهدة العمرية» التي ضمنت لهم أمنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وصارت نموذجًا خالدًا لسماحة الحكم الإسلامي.
وأول ما فعله عمر أن طلب الدلالة على موضع المسجد الأقصى، فأمر بتنظيف الموضع، وأقام فيه مصلّى يصلّي فيه المسلمون، وهو نواة المصلى القبلي الذي نراه اليوم.
العهد الأموي: قبة الصخرة والمسجد القبلي
في عهد الدولة الأموية، بنى الخليفة عبد الملك بن مروان قبة الصخرة المشرفة سنة اثنتين وسبعين للهجرة (691-692م)، فكانت أول عمران إسلامي ضخم متكامل، وتحفة فنية ما زالت تبهر العالم حتى اليوم بزخارفها وفسيفسائها وكتاباتها القرآنية.
ثم أكمل ابنه الوليد بن عبد الملك بناء المسجد الأقصى المبارك (المصلى القبلي) نحو سنة خمس وتسعين للهجرة (715م). ومنذ ذلك الوقت والمسجد الأقصى — بساحاته وقبابه ومصلياته — مسجدٌ إسلامي قائم على أوقاف إسلامية.
بين العباسيين والفاطميين
تعاقبت على الأقصى العهود الإسلامية: فجدّده العباسيون بعد الزلازل التي أصابته، وترمّم في العهد الفاطمي، وأُضيفت إليه الزخارف والكتابات. وفي هذه القرون كتب المقدسي والجغرافيون المسلمون عن فضائل بيت المقدس، فظهرت كتب «فضائل بيت المقدس» التي ما زالت من مصادرنا الأولى حتى اليوم.
الحملة الصليبية وصلاح الدين
احتلّ الصليبيون القدس سنة 1099م، فحوّلوا المصلى القبلي إلى مقر وكنيسة وقبة الصخرة إلى معبد. بقي الأقصى تحت أيديهم نحو ثمانية وثمانين عامًا، حتى حرّره القائد صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين سنة 1187م (583هـ). دخل القدس فأمر بتطهير المسجد الأقصى وتنظيفه وتطييبه، وأعاد الصلاة إليه، وخُطب فيه من جديد.
وتروي كتب التاريخ أن صلاح الدين عامل أهل القدس بأخلاق الفارس المسلم، فلم يقابل ما جرى عند دخول الصليبيين بمثله، وصارت سيرته درسًا في الفتح الرحيم.
العهدان الأيوبي والمملوكي: ازدهار العمارة
ازدهر المسجد الأقصى في العهدين الأيوبي والمملوكي ازدهارًا كبيرًا: أُقيمت المآذن، والمدارس التي تحيط بساحاته (كالمدرسة الأشرفية والتنكزية)، والأسبلة، والبوائك والأروقة. وكان علماء المسلمين يدرّسون في حلقاته، وصارت القدس مدينة علم ومكتبات وأوقاف.
العهد العثماني
في العهد العثماني، جدّد السلطان سليمان القانوني أسوار القدس وبواباتها الشهيرة (باب العامود، باب الخليل وغيرهما)، وكُسيت قبة الصخرة بالقاشاني في عهده. واستمرت العناية العثمانية بالمسجد والمدينة أربعة قرون.
الأقصى اليوم
تدير دائرة أوقاف القدس شؤون المسجد الأقصى، وهو ما زال — كما كان دائمًا — مسجدًا حيًّا تُقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، ويقصده المسلمون من كل مكان للصلاة وطلب العلم.
خلاصة
تاريخ المسجد الأقصى تاريخ إسلامي متصل منذ فجر البشرية: وُضع من أقدم بيوت العبادة، وجدّده الأنبياء، واختاره الله محطًّا لرحلة الإسراء، وفتحه عمر بالعهد والأمان، وبنى معالمه الخلفاء الأمويون، وحرّره صلاح الدين، وعمّره الأيوبيون والمماليك والعثمانيون. ومن يقرأ هذا التاريخ يدرك أن الأقصى ليس قصة عابرة، بل عقيدة وتاريخ وحضارة.
*هذه المادة بحاجة إلى مراجعة تحريرية قبل اعتماد كل تفصيلة فيها، بحسب سياسة الموقع.*
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم، سورة الإسراء: 1
- صحيح البخاري وصحيح مسلم: حديث أول مسجد وُضع في الأرض، وحديث شدّ الرحال
- كتب فضائل بيت المقدس (الواسطي، ابن الجوزي، العلمي)
- مصادر التاريخ الإسلامي العام حول الفتح العمري والعهد الأموي وصلاح الدين الأيوبي